Untitled 11

الانضباط الذاتي في مواجهة التهاون والتسويف

الحقوقي الأكاديمي: د. عادل عزام سقف الحيط
دكتوراة في القانون الدولي الإنساني / أمريكا

يمثل الانضباط الذاتي خطوة متقدمة في طريق تحقيق الأهداف. والانضباط الذاتي لغة مصطلح مشتق عن الأصل انضبط، وهذا جذره بمعنى التزم، ويعود أصلاً إلى المصدر انضباط وهو الالتزام. أما الذات فهي النفس و يرى أبو حفص الناظري -عالم اللغة العربية 689 ﻫ- أن الذات تختلف عن النفس في الاصطلاح وليس اللغة، أما لغة فهي النفس، والذاتي هي الصفة المشتقة من الذات. والانضباط الذاتي اصطلاحاً هو التزام المرء من ذاته و قدرته على السيطرة على الأمور دون الرجوع إلى شخص آخر وهو أيضاً القدرة على الالتزام دون شروط وضوابط.
ومن البديهي أن التراجع والتهاون والتسويف من سمات الانسان الفطرية، فترك النفس على هواها عمل مريح ومربح على المدى القصير، فاذا كنت مثلاً في سهرة ممتعة وكان عليك أن تستيقظ في اليوم التالي لأمر هام يتعلق بعملك. فأنت أمام خيار ترك النفس على هواها والاستمتاع بالمكاسب الفورية التي تحققها في هذه السهرة، أو أن تقاوم نفسك وتفرض عليها الالتزام بالواجب وتترك المتعة المؤقتة إلى ما هو أهم منها. وإلى جانب هذه الخاصية الانسانية السلبية –التهاون- هناك خاصية أخرى لا تقل عنها خطورة، هي الهروب من المواجهة، فاذا كان المرء لا يستطيع أن يلقي كلمة أمام الناس دون تردد أو وجل، قد يحاول أن يشرب كأساً من الخمر أو يأخذ جرعة من مخدر، ليحصل على الإحساس الزائف بالثقة، فالهروب من مواجهة المواقف الصعبة يعطينا راحة فورية، ولكننا ندفع الثمن باهظا على المدى المتوسط والبعيد، لأن المشكلة لم تحل.  ويتبع هذا رفض قبول الواقع كما هو والتذمر منه. فإذا كان عليك اتباع حمية معينة لأي سبب صحي، أو أن عليك ان تستيقظ في الصباح الباكر أو أن تلقي خطابا في جمع من الناس، فلن يجدي إصرارك على التنكر للأمر لبعض الوقت، و إنما عليك أن تتعامل مع الواقع كما هو وتطور آليات المواجهة خاصتك لتتغلب على التحديات التي يفرضها الواقع قبل أن تتفاقم.
 وفي ذات السياق لا يمكن أن نغفل دور الضجر والملل الذي يصيب الناس إبان أداء الأعمال. فكثير من الفاشلين في حياتهم العملية يعود فشلهم إلى عدم قدرتهم على تحمل الضجر الذي يتأتى من المثابرة على متابعة وتجويد العمل، فهذا النوع من الناس تراه يبدأ فكرة أو مشروعا، ولكن بعد فترة قصيرة يدب الضجر في روحه فيترك المشروع وينتقل إلى مشروع آخر، أو يترك ما بدأه ويستدير باحثا عن طريق أخرى أسهل توصله إلى القمة بسرعة، لأنه لا يريد من أي مشروع إلا الجانب الممتع فيه، بينما لا يوجد عمل جاد في الحياة لا ينطوي على جانب مضجر و قاس. أما الناجحون، فهم لا يكتفون بتحدي الضجر وقسوة المثابرة على متابعة مشاريعهم، بل إنهم يستمتعون بهكذا ضجر و قسوة، حتى تكاد نفسهم تعاف أي نجاح سهل المنال لا تعب فيه.
أمر آخر يحول دون المثابرة والانضباط الذاتي هو عملية التبرير. أعرف صديقا على سبيل المثال يحوّل أخطاءه وفشله إلى فلسفة وموقف ثقافي أو فكري؛ فإذا حصل على تنبيه من مديره في العمل على كثرة تأخره عن الدوام الوظيفي، أخذ يردد على مسامع زملائه: "إن العامل يقيّم بإنتاجه لا بوقت حضوره". و في واقع الأمر هو لا يريد أن يحضر ولا يريد أن ينتج، وهكذا فبدلا من مواجهة الفشل والتصدي له، يتحول هذا الفشل إلى فلسفة تستحق الدفاع عنها.
ولكن ما الذي يجعل الناس غير قادرين على اكتساب الانضباط الذاتي؟ هنالك ثلاثة أسباب رئيسة تقف خلف هذه الظاهرة و تغذيها، هي:
1- تدليل الوالدين في الصغر: وهو التدليل غير المبرر، فالمدلَّلون لا يعرفون كيف يُحرزون النجاح في حياتهم عبر العمل الجاد، فقد كان آباؤهم يقومون بكل شيء نيابة عنهم، ولكن عندما تُركوا ليدخلوا معترك الحياة الحقيقة لم يجدوا آباءهم الى جانبهم لمساعدتهم كما كان الحال في طفولتهم، فيكون الإخفاق حليفهم.
2-النزعة إلى الكمال: فإذا عجز المرء عن إنجاز عمله بصورة مثالية، قرر أن لا يكمله
أبدا، فالتفوق الباهر هو كل شيء، و إما الحصول على كل شيء أو لا شيء البته. و يبدو أن هذا المسبب مرتبط بالمسبب الثالث "عقدة النقص" و كأن المرأ يخاطب نفسه: "كيف لي أن أقوم بالعمل على أفضل وجه وأنا لا أملك ما يكفي من المقومات التي تساعدني على ذلك؟!".
3- الشعور بالنقص:إن كثيراً من الناس لا يفرق بين الشعور بالنقص وبين كونه ناقصاً، لأنه ليس هناك شخص ناقص، وإنما هناك فقط شخص أدنى من الآخرين في مهارات معينة. فإذا كنت لا تستطيع إدارة فريقك في الاجتماعات الدورية بصورة مثالية، فأنت أقل من زميلك (س) فقط في فعل ذلك، ولكن يجب أن لا تشعر بالنقص تجاه الزميل (س)، فأنت أفضل منه في جوانب أخرى، مثلا في كتابة التقارير الإدارية والتقديم بواسطة نظام بور بوينت.
و فيما يلي اليك بعض التقنيات الأساسية الكفيلة بمساعدتك على تجاوز ضعف الانضباط الذاتي:
1.    مراجعة موروث القيم والمبادئ.
2.    تحديد الهدف.
3.    التعود على مواجهة المشاكل.
4.     التخلص من العادات السيئة.
5.     التعرف على نواحي القوة والضعف في الذات.
6.    معرفة الألم والمتعة. 
7.    التعلم من الأخطاء.
إن العمل على تحقيق التقنيات السابقة يحتاج إلى وقت وجهد ومراس، لكن الأمر يستحق المحاولة. نرجو لكم التوفيق.