Untitled 11

نحو حركات نسوية منتجة

 

نشطت الحركة النسوية المنظمة في الغرب إبان الحرب العالمية الثانية. وساعد في انتشارها انشغال الرجال في الحرب، وخروج النساء الأوروبيات إلى العمل في المصانع والمزارع، ومختلف المؤسسات الحكومية والخاصة، وقطاعات الدعم اللوجستي للجنود كالتصنيع الحربي والتطبيب. وبذلك احتلت المرأة الأوروبية مكانة اجتماعية مرموقة في مجتمعها نظير اضطلاعها بدور اقتصادي هام في مؤازرة الجنود، وفي المساهمة في إعادة الإعمار بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
غير أن الحركة النسوية الأممية، أو ما تعرف الآن "بالفيمينية" ليست حديثة أو غربية المنشأ، بل هي حركة تاريخية دينامية، وركيزة أساسية في تكوين مجتمع الحضارات المنتصرة. فعلى سبيل المثال؛ ظهرت المرأة الفرعونية في المخطوطات المصرية القديمة تعمل إلى جانب الرجل، ورُسمت بنفس حجمه تلبس ملابس زاهية تدل على الرخاء والسعادة، وكتب في البردي أنها تقاضت نفس أجره في العمل. واتخذ المصريون واليونان آلهة من الذكور والإناث، وكانت آلهة الإناث رمزاً للخصب والحب والسعادة. كذلك حكمت زنوبيا تدمر، وكانت نساء سادة قريش ذوات شكيمة ونفوذ، فكانت الزوجة تدير تجارتها وتختار زوجها وتطلقه بإرادة منفردة. ورفع الإسلام شأن المرأة، فبداية برّأها من تهمة غواية آدم وذكر أن الشيطان أغواهما معا ً، ثمّ قنن لها حقوقاً مُعجزة في كل مناحي الحياة .
ومن مجمل ذلك نستنتج أن "الفيمينية" أممية وليست حكراً على حضارة مّا، وإنما هي مرتبطة بالوجود الإنساني والصراع الطبقي الاجتماعي. وقد خلصت الأبحاث العلمية إلى حقيقة تاريخية مفادها أن قدرة المرأة على انتزاع حقوقها تتناسب طردياً مع مكانتها الاقتصادية في مجتمعها. و بشكل عام، كلما احتلت المرأة مكانة متقدمة في العملية الاقتصادية الوطنية، كلما ارتقت اجتماعياً وتمتعت بحرية اختيار أكبر واعتمادية اقل تجاه أسرتها النووية والزوجية. كذلك دلت الدراسات على أن الحركات النسوية يجب أن تناضل لنيل حقوق المرأة، آخذة في الاعتبار الظروف الموضوعية لمجتمعاتها، فعليها إعادة استقراء تراثها واستنباط أدوات ومناهج علمية من مادته للنهوض بواقع جديد. والتنسيق فيما بين الحركات النسوية ينبغي ألا يبنى على أساس "الجنس المشترك" وإنما على أساس "المبادىء والرؤى المشتركة"ً فالحركات النسوية إذاً في أي مجتمع، إما أن تكون فيمينية منتجة أو غير منتجة، و"الفيمينية غير المنتجة" هي تلك التي لا تتوجه بالدعم إلى الطبقة العاملة من النساء و/أو تحاكي نظماً فيمينية غريبة عن مجتمعها، دون تدقيق منهجي موضوعي ودون تفهم لخصوصية تجربتها. وعادة تستعدي هذه الحركات في مجتمعاتها الرجال والمتدينين ومؤسسات المجتمع المدني، وتوصف بالعميلة والإباحية والمتعنصرة جنسياً للمرأة والطبقيّة (كون أغلب منتسباتها من طائفة ما يعرف بالمجتمع الراقي اللاتي لا يدافعن عن مصالح الفقيرات من أبناء جلدتهن). وتنتهي هذه الحركات إلى النبذ والعزل. وعلى العكس من ذلك؛ "فالفيمينية المنتجة" تنفق على دعم العاملات في مختلف المهن والحرف، و تشكل برامجها لتتوافق وتتكامل مع الحاجات الوطنية ولتحيي تراثها. ويطيب لي أن أذكر مثالين لمشروعين أصنّفهما في مصاف "الفيمينيية المنتجة"؛ الأول هو مشروع يدعم العاملات في حرفة النسيج، ويحمي هذا الفن الجميل من الاندثار، والثاني يدعم الخريجات من تخصص الترجمة والأدب الانجليزي، ويكسبهن مهارات عملية لدمجهن في سوق العمل، وينشط حركة الترجمة في الأردن.
يعد مشروع "نساء بني حميدة للنسيج" مشروعاً إنتاجياً متميزاً، فقد عمل على إدامة حرفة النسيج التقليدية، بانتقال خبرات النساء كبيرات السن في نسج البُسُط، إلى الأجيال الشابَّة. وتقع قرية بني حميدة الجبلية في مناطق نائية فقيرة من محافظة مأدبا، وتشهد المنطقة مستوياتٍ متدنيةً من الفقر، وضعف الخدمات العامة والمبادرات التنموية الخاصة. في هذه البيئة الصعبة ابتدأ العمل بمشروع نساء بني حميدة عام 1985 بموجب اتفاقية بين مؤسسة إنقاذ الطفل ووزارة التنمية الاجتماعية، وبدعم من جلالة الملكة نور الحسين، بهدف إحياء الحرف التقليدية وجعلها مصدراً لدخل الأسر المنتجة لها. وفي عام 1987 مكنت منحة مقدمة من وكالة (USAID ) من توسيع المشروع، لتغطي خدماته عدداً أكبر من نساء القرية. وفي عام 1996 انتقل الإشراف على المشروع إلى جمعية الأردن للتنمية التي تم تأسيسها لهذه الغاية. ومن ثم انضمت هذه الجمعية إلى مؤسسة نهر الأردن. يوفر المشروع حالياًُ  فرص عمل  لـقرابة 1644 امرأة تمثلن 450 عائلة تعيش في جبل بني حميدة.
يستخدم المشروع المغازل الخشبية والنولات الأرضية لإنتاج نوعية راقية من البُسُط المصنوعة من الصوف الخالص. وقد حقّقت البُسُط نجاحاً تجارياً باهراً على المستويين المحلي والدولي. وفي عام 2003، قدّم بنك سيتي جروب منحةً أضافت إلى المشروع نشاطاً جديداً تمثل في تصنيع الشموع. وتقوم استراتيجية تسويقه على البحوث التي أقرت بأن الشموع التي تُصنع يدويا ً، باستخدام مكوّنات نقية أصيلة المنشأ، يتفوّق وهجها على الشموع المصنعة من مواد كيماوية رخيصة الكلفة.
النموذج الثاني هو مشروع "برنامج الترجمة الوطني" الذي تعقده وتموله شركة القيادة للتجارة العربية في مقرها في عمان منذ سنة 2003. يهدف البرنامج التدريبي للمشروع إلى دعم المكانة الاقتصادية للمنتسبات، حيث يؤهل الخريجات لشغر وظيفة مترجمة أو مديرة قسم أو معدة مؤتمرات أو سكرتيرة تنفيذية أو نحو ذلك. و يكسب البرنامج الخريجة الخبرة العملية المطلوبة، كما يقوم بتنسيبها للعمل في المؤسسات المرموقة دون مقابل مادي لأي من ذلك.  يتعين على المتقدمات إلى اختبار الكفاءة أن يحملن مؤهلاً علمياً في الترجمة أو الأدب الإنجليزي، ويحرزن درجة لا تقل عن جيد في اختبار الشركة. وقد  صمم البرنامج ليعمل على إكساب المتدربات خبرات عملية في مجال الترجمة من وإلى اللغتين/ العربية والإنجليزية في مجال القانون والتجارة والعلوم الطبيعية والطب والتربية والأدب وغيرها، إلى جانب الترجمة الفورية ومهارات الحاسوب والإدارة وسواها. و يتضمن البرنامج ساعات من الورشات العملية، إلى جانب دورات نظرية متخصصة يعقدها قسم الترجمة في الشركة في مختلف مجالات الترجمة التطبيقية. وتحصل كل متدربة على شهادات خاصة بهذه الدورات، إضافة إلى شهادة الجدارة في نهاية برنامجها التدريبي والبالغ خمسمائة ساعة. ولا يتجاوز عدد خريجات ومنتسبات البرنامج خمسين مترجمة، نظراً لإمكانات الجهة الممولة، غير أن المشروع يتطور بشكل مضطرد.
ويعمد البرنامجان، رغم تفاوت حجميهما وعدد منتسباتهما، إلى تثوير الوعي الفكري للمنتسبات، وإقناعهن عملياّ بأنهن قادرات على الإنتاج (الحرفي والعلمي) وإدارة الإنتاج والمساهمة الفاعلة في بناء اقتصاد عائلاتهن، واقتصاد الوطن أسوة بالذكور. وهكذا تكون "الفيمينية" فاعلة بتحويل الشعارات البراقة إلى مشاريع منتجة على أرض الواقع.

الحقوقي الأكاديمي: عادل عزام سقف الحيط